جلستما أخيرًا بعد يوم طويل، والطفل نائم، وأمامكما وقت هادئ نادر. لكن بدل حديث عفوي عن أي شيء، وجدتما نفسيكما تتحدثان عن مواعيد الرضاعة، ثم عن موعد الطبيب القادم، ثم عن شيء يخص الطفل أيضًا. وحين حاولتما تذكر آخر مرة تحدثتما فيها عن شيء آخر تمامًا — عن نفسيكما، عن يوم عادي، عن أي شيء لا علاقة له بالأبوة — لم يستطع أي منكما تذكّر التاريخ بالضبط.
هذا المشهد شائع جدًا لدرجة أن كثيرين يعتبرونه طبيعيًا تمامًا، وربما هو كذلك إلى حد ما. لكن حين يستمر هذا النمط دون انتباه، يتحول تدريجيًا من "مرحلة مؤقتة" إلى الشكل الدائم للعلاقة، وهنا تحديدًا يستحق الأمر التوقف.
لماذا يحدث هذا التحول بهذه السرعة؟
الطفل يحتاج فعليًا كل هذا الاهتمام، وهذا ليس مبالغة. لكن المشكلة ليست في حجم الاهتمام الذي يستحقه الطفل، بل في أن هذا الاهتمام يمتص، دون قصد من أي طرف، كل الطاقة والوقت الذي كان مخصصًا سابقًا للعلاقة الزوجية نفسها. لم يحدث قرار واعٍ بإهمال العلاقة، بل حدث انزلاق تدريجي لم ينتبه له أحد حتى صار واقعًا مستقرًا.
فهل هذا يعني أن عليكما تقليل الاهتمام بالطفل؟
بالطبع لا، والفكرة هنا ليست في المقارنة أو المنافسة بين الاهتمامين. الفكرة أن دوركما كزوجين لم ينتهِ بمجرد إضافة دور جديد كوالدين، بل الاثنان يجب أن يتعايشا معًا. والحقيقة أن الطفل نفسه يستفيد من وجود علاقة زوجية مستقرة أكثر مما يستفيد من والدين مرهقين يعيشان فقط لأجله دون أي مساحة لأنفسهما.
وكيف تستعيدان مساحة لكما وسط كل هذا الانشغال؟
لا يحتاج الأمر خطة معقدة أو وقتًا طويلاً غير متاح أصلاً. حتى نصف ساعة يوميًا للحديث دون مقاطعة — بعد نوم الطفل مثلاً — تصنع فرقًا حقيقيًا إن التزمتما بها فعليًا بدل تركها "لو سنحت الفرصة"، لأن الفرصة نادرًا ما تسنح من تلقاء نفسها في هذه المرحلة.
وماذا عن الإرهاق الذي يجعل حتى هذا الوقت صعبًا؟
الإرهاق الجسدي والنفسي حقيقي لكلا الطرفين في هذه المرحلة، وإخفاؤه أو التقليل منه لا يجعله يختفي، بل يراكم توترًا صامتًا. التعبير الصريح عن الحاجة للراحة أو المساعدة — بدل انتظار أن يفهم الطرف الآخر تلقائيًا من نظرة أو تنهيدة — أكثر فعالية بكثير، وأقل إثارة لسوء الفهم.
وهل الاتفاق على تقسيم الأدوار يحل جزءًا من هذا؟
غالبًا نعم. جزء كبير من التوتر في هذه المرحلة لا ينشأ من كثرة المهام نفسها، بل من الشعور بعدم التوازن في توزيعها — أن أحد الطرفين يشعر أنه يتحمل العبء الأكبر بصمت بينما لا ينتبه الآخر. اتفاق واضح، ولو غير مكتوب، على من يفعل ماذا، يقلل هذا الاحتكاك بشكل ملحوظ.
في النهاية
عودا إلى تلك الجلسة الهادئة النادرة، وحاولا هذه المرة أن تتحدثا عن أي شيء غير الطفل، ولو لدقائق قليلة فقط. هذا التمرين البسيط تحديدًا هو ما يذكّركما أن العلاقة الزوجية لم تختفِ، بل احتاجت فقط لمن ينتبه لها وسط الانشغال. حين يبقى الزوجان حريصين على بعضهما وسط هذا الانشغال، يصبح الطفل امتدادًا طبيعيًا لعلاقتهما القوية، لا سببًا في تراجعها.
اكتب معاييرك في ملف حقيقي
أنشئ حسابك المجاني من المتصفح، ودع المطابقة تعمل على معاييرك لا على الصور.



